
(المصدر: بيكسلز)
نجوان الليثي
وسط عيون الأطفال البريئة التي نألفها، هناك عيون تخفي ارتباكها، وتهرب من المواجهة، وتكتفي بنظرات خاطفة تبحث عن الأمان في ملامح الناس وتنجذب لتفاصيل بسيطة لتهدئة فوضى صاخبة بداخلها، إنها عيون أطفال التوحد.
ربما لا تستطيع التعرف على طفل التوحد بسهولة بين الأطفال، فهو يحمل عادة ملامح غير مميزة مثل أقرانه من ذوي الاحتياجات الخاصة، لكن أحداث بسيطة في البيئة المحيطة تكشف أعراض اضطرابه المزمن.
يزعم البعض أنهم يعرفون أعراض التوحد، لكن قد لا يعرف الكثيرون أن التوحد سمي طيفا لكونه يتضمن مستويات عدة من الأعراض تختلف وربما تتباين من شخص إلى آخر في صورتها وحدتها.
فبينما ينزعج كثير من أطفال التوحد من الأصوات العالية، نجد أن بعضهم يفضل الموسيقى الصاخبة. بل في الوقت الذي يرفض البعض اللمس الجسدي، يميل البعض الآخر إلى الأحضان والتعرف على العالم من حولهم من خلال التلامس.
ما رأيك لو اصطحبتك في رحلة إلى هذا العالم بعيون طفل التوحد نفسه؟

المعالجة البصرية
يمتلك طفل التوحد تركيبة فريدة للدماغ ومختلفة عن الطفل النموذجي، فلنبدأ أول باختلافات المعالجة البصرية.
قد يكون التواصل البصري المباشر غير مريح لطفل التوحد، بل مؤلم جسديا بسبب فرط الحساسية، ولتبسيط هذا الشعور، فهو مثل ما تعانيه أنت في حالات القلق الشديد أو قدر توترك في حالات القتال أو الهروب من أمر مخيف للغاية.
وعوضا عن النظر بصورة مباشرة، يلجأ طفل التوحد إلى النظرة الجانبية، يختلس بعض النظرات للتكيف والتعرف على البيئة المحيطة.
ويضطر أحيانا للتركيز على جزء في الوجه مثل الجبهة أو الفم أو الأنف، يشعره بشيء من الراحة بدلا من الاضطرار إلى النظر مباشرة إلى العين، وهو ما يسمى بـ”الاتصال البصري المموه” لإدارة التفاعل من دون إجهاد حسي.
لذلك لا تحاول إجبار الشخص المصاب بالتوحد على التواصل البصري؛ فقد يكون منشغلا باستيعاب حديثك عبر لغة الجسد، وإصرارك على النظر إلى العين قد يربكه ويشتت تركيزه.
يُستخدم وصف "نموذجي" بدلا من "طبيعي" عند الحديث عن الأطفال، لأن كلمة "طبيعي" توحي ضمنًا أن غيره "غير طبيعي" وهو تعبير يحمل وصمة سلبية. أما "نموذجي" فهي كلمة محايدة تشير فقط إلى أن مسار النمو أو السلوك شائع بين معظم الأطفال، مقابل أنماط أخرى مختلفة مثل التوحد أو فرط الحركة. الهدف هو احترام فلسفة التنوع العصبي التي ترى أن الاختلاف ليس مرضًا
عالم الأصوات المؤلمة
يعاني كثير من أطفال طيف التوحد من الحساسية للأصوات، والتي تشمل فرط السمع، فتصبح الأصوات العادية مزعجة وشديدة الإيلام، أو نفور انتقائي من أصوات بعينها مثل صوت المضغ، أو صعوبة تصفية الضجيج، أي صعوبة التركيز على صوت مهم وسط تزاحم المؤثرات الصوتية.
تخيّل أنك في مكان به موسيقى مرتفعة، وأبواق سيارات، وصوت راديو، وعدة مجموعات من الأشخاص يتحدثون في الوقت نفسه. يستطيع الشخص “النموذجي” أن يركّز على صوت واحد ويجعل باقي الأصوات في الخلفية. لكن طفل التوحد قد يجد صعوبة في تصفية الأصوات، فيستقبلها جميعا بنفس الدرجة من الحدة والوضوح، مثل سماع أصوات أكثر من أغنية في نفس اللحظة، هذا التدفق الحسي الهائل يسبب ارتباكا قد يصل إلى قلق شديد أو انهيار حسي.

يلجأ الطفل إلى استجابات دفاعية فورية مثل تغطية الأذنين أو مغادرة المكان (المصدر: صورة مخلقة بالذكاء الاصطناعي)
ما الذي يجري في الدماغ؟
تظهر الأبحاث أن أطفال التوحد لديهم اختلال التوازن بين الاستثارة والتثبيط، وهو ما يعني أن استجابتهم للأصوات أقوى وأطول من المعتاد، فصوت المكنسة الكهربائية بمثابة انفجار لديهم.
كما أن قدرة الدماغ على تصفية الأصوات تصبح أقل كفاءة، فتصل إشارات سمعية كثيرة بشكل خام ومكثّف إلى القشرة السمعية. وهذا ببساطة يعني فوضى صوتية مفاجئة تربك الطفل وتثير مخاوفه، فيلجأ أحيانا إلى تغطية أذنيه بيديه أو محاولة الهروب من المكان.
لمسات مؤلمة وملابس مزعجة
قد يعاني أطفال التوحد من اضطراب في معالجة الحواس، حيث يستجيب الدماغ للمس بزيادة في الحساسية. تشير دراسات أن ما يقارب 60–70% من الأطفال ذوي التوحد لديهم استجابات حسية غير معتادة، منها اللمس الذي يُفسر بشكل مفرط في .الدماغ، فيُشعر الطفل بعدم الراحة أو الألم من محفزات بسيطة كالملابس أو اللمسات الخفيفة
الاتزان.. حين تتحوّل الحركة البسيطة إلى تجربة مرهقة
يعاني بعض أطفال بالتوحد من خلل في الاتزان نتيجة اختلاف في عمل الجهاز الدهليزي الموجود في الأذن الداخلية، وهو المسؤول عن إدراك وضعية الجسم والحفاظ على توازنه. ففي الحالات النموذجية يعمل الدماغ على دمج المعلومات القادمة من العينين والعضلات والأذن الداخلية ليضبط الحركة، أما لدى طفل التوحد فلديه اضطراب في التكامل الحسي، مما يجعله يشعر .مثلًا عند نزول السلم وكأنه يسقط من ارتفاع كبير، وهو ما يفسر صعوبة التوازن والخوف من بعض الأنشطة الحركية اليومية
كيف تدعم طفل التوحد؟
تفهّم اختلافه: لا تفترض أنه يتصرف مثل باقي الأطفال.
احترم مساحته: لا تلمسه أو تقترب منه فجأة.
قلل الضوضاء: تجنب الأصوات العالية أو المفاجئة أمامه.
تواصل ببساطة: استخدم كلمات قصيرة وصوت هادئ، وامنحه وقتا للاستيعاب.
أظهر الدعم: ابتسامة أو تعامل هادئ يساعده على الشعور بالأمان.
وأخيرا، ما اقتراحاتك لإظهار الدعم لطفل التوحد؟


Leave a comment